الخطيب الشربيني

244

مغني المحتاج

في قوله تعالى : * ( ألست بربكم قالوا بلى ) * : لو قالوا نعم كفروا . فهذا هو مقتضى اللغة ورجحه ابن الرفعة . وأجاب الأول بأن النظر في الاقرار إلى العرف وأهله يفهمون الاقرار بنعم فيما ذكر . واختار الغزالي في المنخول التفصيل بين النحوي وغيره كما في نظيره من الطلاق ، وبه أجاب ابن يونس في المحيط . ولو قال : ليس لي عليك ألف فقال : بلى أو نعم فالمتجه كما قال الأسنوي أن يجعل بلى إقرارا دون نعم . فروع : لو قال في جواب من ادعى عليه بألف : ما لك علي أكثر من ألف لم يكن إقرارا لأن نفي الزائد عليه لا يوجب إثباته ولا إثبات ما دونه ، ونعم إقرار بالعبد مثلا لمن قال : اشتر عبدي كما أنه إقرار به لمن قال : أعتق عبدي ، لا لمن قال : اشتر هذا العبد لأنه لم يعترف له إلا بكونه يملك بيعه لا نفسه . ولو قال في جواب دعواه : لا تدم المطالبة وما أكثر ما تتقاضى لم يكن إقرارا لعدم صراحته ، قاله ابن العماد . ولو قال في جواب دعوى عين بيده : اشتريتها أو ملكتها منك أو من وكيلك كان إقرارا لتضمن ذلك الملك للمخاطب عرفا . ولم ينظروا إلى احتمال كون المخاطب وكيلا في البيع ، ولا إلى احتمال كون الوكيل باع ملك غير المخاطب لعبده عن المقام ، بخلاف قوله ملكتها على يدك لا يكون إقرارا ، لأن معناه : كنت وكيلا في تمليكها . ( ولو قال اقض الألف الذي لي عليك فقال نعم أو أقضي غدا ، أو أمهلني يوما ، أو حتى أقعد أو أفتح الكيس ، أو أجد ) أي المفتاح مثلا ، أو أبعث من يأخذه ، أو أمهلني حتى أصرف الدراهم ، أو أقعد حتى تأخذ ، أو لا أجد اليوم ، ( فإقرار في الأصح ) لأنه المفهوم من هذه الألفاظ عرفا . والثاني : لا ، لأنها ليست صريحة في الالتزام . قال الأسنوي : وما ما ذكره من اللزوم في أقضي غدا ونحوه مما عري عن الضمير العائد على المال المدعى به مردود ، بل يتعين أن يكون التصوير عند انضمام الضمير كقوله أعطه ونحوه فإن اللفظ بدونه محتلم أن يراد به المذكور وغيره على السواء ، ولهذا كا مقرا في قوله أنا مقر به دون أنا مقر ، ولو قال : كان لك علي ألف ، أو كانت لك عندي دار فليس بإقرار لأنه لم يعترف في الحال بشئ والأصل براءة الذمة ، ولا ينافي ذلك ما في الدعاوى من أنه لو قال : كان ملكك أمس كان مؤاخذا به لأنه ثم وقع جوابا للدعوى وهنا بخلافه فطلب فيه اليقين . ولو قال : أسكنتك هذه الدار حينا ثم أخرجتك منها كان إقرارا له باليد لأنه اعترف بثبوتها من قبل وادعى زوالها ، ولا ينافي ذلك ما في الاقرار من أنه لو قال : كان في يدك أمس لم يؤاخذ به لأنه هنا أقر له بيد صحيحة بقوله أسكنتكها بخلافه ثم ، لاحتمال كلامه أن يده كانت عن غصب أو سوم أو نحوه . وقوله لمن شهد عليه ولو واحدا بشئ هو صادق أو عدل ليس بإقرار حتى يقول فيما شهد به ، ولو قال : إذا شهد علي شاهدان بألف مثلا فهما صادقان لزمه في الحال وأن لم يشهدا عليه لأنهما لا يكونا صادقين إلا أن كان على الألف الآن ، بخلاف ما لو قال : إذا شهدا علي بألف صدقتهما ، لأن غير الصادق قد يصدق ، ولان ذلك وعد . وخرج بالألف ما لو قال : ما يشهد به شاهدان علي فهما صادقان عدلان فليس بإقرار بل تزكية وتعديل كما نقله الرافعي في التزكية عن الهروي وأقره كما قاله في المهمات . ولو لم يأت بصيغة الشهادة بل قال : إذا قال زيد إن لعمرو علي كذا فهو صادق كان الحكم كذلك كما ذكره ابن العماد . ولو قال : أقرضتك كذا فقال : كمن تمن به علي ، أو لاقترضت منك غيره كان إقرارا ، بخلاف ما لو قال لمن قال له لي عليك كذا : لزيد علي أكثر مما لك بفتح اللام ، فإنه لا شئ عليه لواحد منهما لاحتمال أنه قاله استهزاءا ، أو أنه أراد : له علي من الحرمة والكرامة أكثر مما لك . أما لو قال : من مالك بكسر اللام ، أو له علي مال أكثر من مالك ، أو له علي أكثر مما ادعيت ، فهو إقرار لزيد . ولو كتب لزيد علي ألف أو كتبه غيره فقال : اشهدوا علي بما فيه لغا ، لأن الكتابة بلا لفظ ليست إقرارا ، ويؤخذ من ذلك أنها من الأخرس عند القرينة المشعرة ليست لغوا ، ولو لقن إقرارا أو غيره بغير لغته وقال : لم أفهمه وأمكن عدم فهمه له بأن لم يكن له مع أهل تلك اللغة اختلاط صدق بيمينه ، ولو قال : أقررت وأنا صبي أو مجنون أو مكره وأمكن الصبا وعهد الجنون ، أو كانت أمارة على الاكراه من جنس أو ترسيم أو نحو ذلك صدق بيمينه لظهور ما قاله ، ولان الأصل